شويخ من أرض مكناس: قصيدة مغربية منذ 700 عام ألهبت الخليج
![]() |
| قصيدة شويخ من أرض مكناس |
تُعد قصيدة "شويخ من أرض مكناس" واحدة من أروع نماذج الزجل الأندلسي الصوفي، حيث تمزج بين البساطة الشعبية والعمق الروحي. وقد ألفها الشاعر الأندلسي أبو الحسن الششتري أثناء إقامته في مدينة مكناس بالمغرب، لتصبح بعد قرون طويلة من أشهر القصائد التي يرددها الناس دون معرفة قصتها الحقيقية.
قصة القصيدة وأصلها
ولد أبو الحسن الششتري في إقليم غرناطة لأسرة ميسورة، وكان يعيش حياة الرفاه قبل أن يتجه إلى التصوف. وقد تتلمذ على يد الشيخ أبو مدين شعيب، أحد كبار أعلام التصوف في المغرب الإسلامي.
لكن نقطة التحول الكبرى في حياته جاءت عندما التقى بالمتصوف ابن سبعين، الذي قال له:
"إن كنت تريد الجنة فاذهب إليهم، وإن كنت تريد رب الجنة فتعال إلي."
ثم اشترط عليه أن يتجرد من مظاهر الدنيا، فيلبس ثيابًا بالية ويحمل "البندير" (الدف المغربي)، وينشد في الأسواق ذكرًا للحبيب (الله). فامتثل الششتري لهذا التوجيه، ونزل إلى أسواق مكناس ثلاثة أيام ينشد قصائده، ومنها هذه القصيدة الخالدة.
البعد الصوفي في القصيدة
تعكس "شويخ من أرض مكناس" فلسفة صوفية عميقة تقوم على الزهد في الدنيا، والتحرر من نظرة الناس، والصدق مع النفس، واتباع طريق الحق، فعبارته الشهيرة "وش عليا من الناس وأش على الناس مني" تلخص جوهر التصوف القائم على الإستغناء عن حكم الآخرين والتركيز على العلاقة مع الله.
تأثير القصيدة في الفن الحديث
رغم مرور أكثر من 7 قرون، ظلت القصيدة حاضرة بقوة في الوجدان العربي، حتى أعاد إحياءها في العصر الحديث الفنان البحريني أحمد الجميري، بتلحين من الموسيقار خالد الشيخ سنة 1982 على مقام الراست.
وقد أصبحت من أشهر الأغاني الصوفية، إلى جانب أعمال أخرى للششتري مثل:
"كلما كنت بقربي" و"مدير الراح"
لماذا ما زالت القصيدة خالدة؟
تكمن قوة هذه القصيدة في بساطة كلماتها وقربها من العامة، وعمقها الروحي والفلسفي، وصدق التجربة الصوفية للشاعر، إضافة إلى قابليتها للغناء والتجديد، ولهذا لا تزال تُتداول حتى اليوم خاصة في المغرب والمشرق العربي.
كلمات القصيدة
شَوَيخْ مِن أرْضِ مِكْناس / وسْطَ الأسْواق يُغَنِّي
أشْ عَلَيَّا مِن النَّاس / وأشْ على النَّاسِ منِّي
أش عليّا يا صاحب / مِن جمِيع الخَلايقْ
إِفْعَل الخيرَ تنْجُو / واتبعْ أهلَ الحقائق
لا تقُلْ يا بني كِلْمَهْ / إِلاَّ إِنْ كنتَ صادِق
خُذ كلاَمِي في قُرْطاس / واكتُبُوا حِرْزَ عَنِّي
أشْ عَلَيَّا مِن الناس / وأشْ على النَّاسِ منِّي
ثم قول مبين / ولا يحتاج عبارة
أشَ عَلَى حَدْ مِن حَدْ / إِفْهَمُوا ذِي الإشاره
وانْظُرُوا كِبْرَ سِنِّي / والعصا والغَزَارَه
هكذا عِشْتُ في فاسْ / وكَذاكْ هُونْ هُونِي
أشْ عَلَيَّا مِن الناس / وأشْ على النَّاسِ منِّي
وما أحْسَنْ كَلامُوا / إِذْ يَخْطُر في الأسْواق
وتَرَى أهْلَ الحوانتْ / تلْتفِتْ لو بالأعناقْ
بغرارة في عنقوا / وعكيكز وأقراق
شُوَيْخْ مَبْنِي عَلى أساس / كما أنْشَا اللهُ مَبْنِي
أشْ عَلَيَّا مِن الناس / وأشْ على النَّاسِ منِّي
لَوْ تَرَى ذا الشويَّخ / مَا أرَقُّوا بمعنى
إِلتفتْ لِي وقالْ لِي / أش نراكْ تَتْبَعْنا
أنَا نَنْصِبْ لِي زَنْبِيل / يَرْحَمُوا من رَحِمْنا
وأقامُوا بَيْن أجناسْ / ويقُول دَعْنِي دَعْنِي
أشْ عَلَيَّا مِن الناس / وأشْ على النَّاسِ منِّي
مَنْ عَمِلْ يا بْنِي طَيِّبْ / ما يُصِيب إِلاَّ طَيِّب
لِعُيوبُوا سَينْظُر / وفِعالُوا يُعَيِّب
والْمُقارِبْ بِحالِي / يَبْقَى بَرَّا مُسَيِّب
مَنْ مَعُو طِيبَةَ أنفاس / يدْرِي عُذْرَ المغنِّي
أشْ عَلَيَّا مِن الناس / وأشْ على النَّاسِ منِّي
وكَذاكْ إِشْتِغالُو / بالصَّلاهْ على مُحَمَّد
والرِّضَا عَنْ وَزِيرو / أبي بَكْرِ الْمُمَجَّدْ
وعُمَر قائِلَ الحقِّ / وشَهِيد كُلِّ مَشْهَد
وعَلِي مُفْتِي الأرْجاس / إِذا يَضْرِبْ مايْثِني
أشْ عَلَيَّا مِن الناس / وأشْ على النَّاسِ منِّي
يا إِلهِي رَجَوْتُك / جُدْ عَلَيَّا بِتَوْبَه
بالنَّبي قَد سألتُكْ / والكرامِ الأحِبه
الرِّجِيم قد شَغَلْني / وأنا مَعُو في نُشْبَه
قد مَلاَ قلْبي وَسْوَاس / مِمَّا هُ يَبْغِي مِنِّي
أشْ عَلَيَّا مِن الناس / وأشْ على النَّاسِ منِّي
تَمَّ وَصْفُ الشُّوَيِّخْ / في مَعانِي نِظامي
وإِنِّي خَوَّاص ونُقْرِي / لأهْلِ فَنِّي سَلامِي
وإِذا جَوَّزُونِي / نقُل أوَّلْ كَلامِي
شُوَيْخْ من أرضِ مِكْناس / وسْطَ الأسْواق يُغَنِّي
أشْ عَلَيَّا مِن الناس / وأشْ على النَّاسِ منِّي.
هل تعلم؟
هذه القصيدة التي يرددها الناس اليوم، تعود لأكثر من 7 قرون، وهي من أشهر ما كُتب في الزجل الأندلسي، وما تزال حاضرة في المغرب والمشرق العربي.

تعليقات
إرسال تعليق